هشام جعيط
15
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
المالكة وكانت من المناذرة ، لأسباب تبقى مجهولة لدينا إلا أن المؤرخين القدامى ربطوا هذا القرار بالدور الذي قام به عدي بن زيد الشاعر « 1 » . كان عدي ذا حظوة في بلاط الساسانيين ، ويعتقد أنه أنقذ السلالة اللخمية لما أجلس على العرش النعمان الذي كان في حمايته . وقد أثارت حظوته الخاطفة في الحيرة الحفائظ والدسائس . فاغتيل ، وقرر الابن الأخذ بثأر أبيه فأثار كسرى على النعمان الثالث . وأظهر النعمان العصيان وطورد من أجل ذلك إلى قبيلة طيّ التي رفضت مساعدته ، ثم دخل في ذمة هانىء بن قبيصة من ذهل بن شيبان من بكر ، فكانت حمايته له ناجعة ، مما أدى إلى نشوب المواجهة في ذي قار ، التي صمد فيها العرب حتى النصر . لكن هذا لم يحل دون طرد المناذرة عن الحكم ، وألحقت مملكة الحيرة إلحاقا كان مقنّعا ثم صار مباشرا . وبالفعل ولّي عربي هو أياس بن قبيصة الطائي على ثغر العرب ، ومن المحتمل أن الأمر تم له بعنوان الولاية لا بصفته ملكا . وخلفه أزاذابه بن ماهان الفارسي طيلة سبعة عشر عاما ، منها أربعة عشر عاما وثمانية أشهر في حكم كسرى أبرويز « 2 » . وبذلك نصل إلى سنة 630 م / 8 ه . وصارت الوضعية عندئذ غامضة . فظهر أحد أحفاد الأسرة المالكة سابقا وهو أحد المناذرة الذي اشتهر باسم الغرور عند العرب ، وانتهى أمره مقتولا في البحرين « 3 » . وها أن الحيرة تبرز في ضوء التاريخ الإسلامي ، بمثابة الجزء المركزي من الأيام التي حدثت سنة 12 ه . وأنشئت إلى جانبها الكوفة بعد خمس سنوات ، رمزا وموطنا للعروبة الجديدة التي برزت مع الإسلام ، وكانت عروبة مغايرة كل المغايرة لتلك التي جسمتها الحيرة طيلة ثلاثة قرون . الواقع أن انهيار حكم المناذرة لا يكشف عن تناقض سياسة كسرى الثاني فقط ، حتى ولو دلّ على مدى الخفة الذي بلغه عسف هذا الملك . إذ إن حالة الحيرة التي صار الولاة يتقاذفونها في آخر طورها ، تعكس تفكك السلطة الساسانية ذاتها . ولا فائدة من التعرض للأسباب العميقة للأزمة التي مرت بها الإمبراطورية الفارسية . على أننا نلاحظ ما هو ماثل للعيان وهو ما لاحظه المؤرخون العرب أنفسهم . كان العهد الطويل الذي قضاه في الحكم كسرى أبرويز ( 590 - 628 ) ، بمثابة الكارثة من وجوه عدة : اكتناز المال بصورة لا تصدق ، وشطط جبائي وتجاوزات من كل قبيل ، وحروب مرهقة مع بيزنطة « 4 » . فضلا عن أن الهوس
--> ( 1 ) الطبري ، التاريخ ، ج 2 ، ص 188 ، وما بعدها ؛ الأغاني ، ج 2 ، ص 100 وما بعدها ؛ المسعودي ، مروج الذهب ، ج 2 ، ص 223 وما بعدها . ( 2 ) الطبري ، التاريخ ، ج 2 ، ص 213 . ( 3 ) المرجع نفسه ، ج 2 ، ص 213 . ( 4 ) الطبري ، التاريخ ، ج 2 ، ص 216 .